القاضي عبد الجبار الهمذاني

168

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فيه بأزيد من هذا المتعلق فقد طالب بالمحال ؛ لأنا إن قلنا فيه : إنه يجب كوجوب المعلول عن العلة ، إلى ما شاكله كان ذلك ناقضا للفعل والفاعل ، وطريق إثباتهما ؛ وكذلك القول في القرآن ، لأنا نعلم أنه لو لم يحدث إلا عند ادّعاء النبوّة ما كان يكون له من الحكم إلا ما قد عرفناه ، فإذا كان لو كان حادثا لدل على النبوّة ، فكذلك متى جوز فيه خلافه فيجب أن لا يقدح في كونه دالا ؛ بل يجب إبطال التجويز بحصول طريقة الدلالة ، كما أوجبنا على من قال : جوزوا أن الفعل من الفاعل يقع بحسب مقاصد العبد ، وأن لا يدل ما ذكرتموه ، من وجوب وقوعه بحسب مقاصده ، على أنه فعله ، ينبغي أن نبطل هذا التجويز ، بطريق الدلالة ؛ لأن التجويز شك وإمكان ، فكلاهما لا يقدح في الدليل ، فكذلك القول فيما ذكرناه ، من حال القرآن . فإن قال : إني أقدح بذلك في كونه معجزا أصلا ؛ وأقول : إذا كان لا ينفصل حاله ، وقد حدث من حاله ، وقد كان من قبل حادثا ، فيجب أن لا يكون دليلا على النبوّة ، وأن يكون الّذي دل عليها ما يعلم في الحال أنه حادث ، كإحياء الموتى ، وقلب العصا حية ، دون الأمور التي يجوز فيها ما ذكرناه ؛ وهذا كما قلتم : إن تعلق الفعل بفاعله إنما يدل على حاجته إليه ، وحدوثه من قبله ، متى علم أنه حادث ؛ فإذا لم يعلم ذلك لم يصح كونه دالا ، فكذلك القول في المعجز ، إنه لا بدّ من إثبات حادث عند دعواه من قبله تعالى ، يحل محل التصديق ؛ وإذا كان الأمر الّذي يظهر ، يجوز أن لا يكون في حكم الحادث ، فيجب أن لا يصح الاستدلال به ؛ أو لستم قد فصلتم بين دلالة القيام والقعود على حاجتهما إلى محدث ، وبين حمرة موضع الضرب وخضرته ، بأن قلتم : إن ذلك حادث ، فصح أن يدل ، وهذا ليس بواقع ، وإنما ظهر بعد كمون ، فلا يصح أن يدل ، فيجب مثل ذلك في المعجز .